السيد علي الطباطبائي
49
رياض المسائل
وبالجملة فالرواية قويّة غاية القوّة كالصحيحة حجّة في نفسها ، مع قطع النظر عن الشهرة الجابرة . وبها يعارض جماعة في استدلالهم بالرواية الأُولى على جواز التجزئ في الاجتهاد ، لمكان قوله فيها : « يعلم شيئاً من قضايانا » وذلك لدلالة الرواية الثانية على اعتبار المعرفة بالأحكام جملة ، لمكان الجمع المضاف ، وهو حيث لا عهد يفيد العموم لغة ، وهي - كما عرفت - بحسب السند معتبرة ، ولا كذلك الرواية الأُولى ، لأنّها بالاتّفاق ضعيفة ، لأنّ في سندها معلّى بن محمد وأبا خديجة ، وحالهما في الضعف مشهورة ، والشهرة الجابرة مشتركة ، فقوّة السند في الأخيرة مرجّحة . هذا ، بعد تسليم دلالتها ، وإلاّ فهي ممنوعة ، يظهر وجهه بالتدبّر فيما ذكره الخال العلاّمة أدام الله تعالى ظلّه في بعض حواشيه ردّاً على بعض هؤلاء الجماعة ، فقال : لا نزاع في أنّ العلم بجميع الأحكام ليس شرطاً في الفتوى والاجتهاد ، كيف ! وهو من خواصّ الشارع ، بل النزاع إنّما هو في اشتراط الاطلاع بجميع مدارك الأحكام والقدرة على استنباطها ومنها التوقّف ، كما لا يخفى على المطّلع بأحوال المجتهدين ، الذين لا تأمّل في اجتهادهم ، بل لا يوجد مجتهد إلاّ ويتوقّف في بعض المسائل ، بل وغير واحد منها ، فعلى هذا لا دلالة للرواية على التجزّئ ، بل على أنّ العالم ببعض الأحكام مجتهد ، وقوله فيه حجّة ، والمانع للتجزّئ يمنع حصول العلم ببعض الأحكام للمتجزّئ ، إلاّ أن يدّعى ظهور العلم ببعضها ، من دون الإحاطة بجميع المدارك في ذلك الزمان . لكن لو تمَّ هذا بحيث ينفع محلّ النزاع يكون هو الدليل من دون مدخليّة الرواية . ثمّ أطال سلّمه الله في وجه منع المانع للتجزّئ عن حصول العلم للمتجزّئ ، ويرجع حاصله إلى ما قدّمنا تحقيقه قريباً .